شـــارك الــــمقالة

63 عاما على العدوان الثلاثي على مصر… ملفات حرب السويس

تعلمت باکراً أن الحق لا یُعطي لمن یسکت عنه، وأن علی المرء أن یحدث الضجیج حتي یحصل علی ما یرید.. وأن حياة الأمم أيام وأحداث خالدة.. ففی الشهور الأخيرة من عام 1956م تشهد أحداثا تفوق في سرعتها وتأثيرها أحداث قرون مضت وقرون تالية.. بدءؑا من جلاء بريطانيا عن مصر.. مرورؑا بتأميم قناة السويس في 26 يوليو 1956 ثم العدوان الثلاثي على مصر في الفترة من “29 أكتوبر 1956” وحتى “6 نوفمبر 1956م”، وانتهاء العدوان  علی مصر في 23 ديسمبر 1956م، وانتصار إرادة مصر شعبًا وجيشًا وقيادة على قوى العدوان فی 18 يونيو 1956م، فی مشهد تاریخي  يشهد خروج آخر جندي بريطاني من أرض مصر بعد 74 عاما من الاحتلال تتنسم عبير الحرية لأول مرة منذ عدة قرون.. لأول مرة يحكم مصر رجل مصري من أبوين وجدين مصريين.. لأول مرة يكون قرار مصر بأيدي أبنائها.
وأصبح “جمال عبد الناصر” الحاكم الفعلي لمصر في يونيو 1956م، بعد تنحية ” محمد نجيب” من منصبه كأول رئيس لمصر.. وبعد تولى جمال عبدالناصر الحكم بشهور قام الجيش الإسرائيلي بشن هجوم على حدود سيناء الجنوبية في 29 أكتوبر 1956م، وتوغلت قوات إسرائيلية في صحراء سيناء ورأس النقب، وكانت خطة إسرائيل تهدف إلى التقدم رأسا إلى الإسماعيلية ومدن القناة، بدأت الخطة المصرية بهجوم جوى على قوات إسرائيل المتقدمة، حيث فشل الهجوم الإسرائيلي ثلاث مرات، ودفعت مصر بقوات هائلة لعبور القناة أغارت الطائرات البريطانية والفرنسية على المدن المصرية ” القاهرة والإسكندرية ومدن القناة”، وركزت الضربات على الأهداف المدنية والعسكرية، فأصيبت المستشفيات والمدارس ودور العبادة، وفى هذا اليوم قطعت مصر علاقتها مع إنجلترا وفرنسا، وأعلن الرئيس جمال عبدالناصر التعبئة العامة، وعين نفسه حاكما عسكريا عاما على البلاد.
وذهب إلي الجامع الأزهر، وصعد علی المنبر یلقی خطابه الشهیر، رحم الله المناضل “فتحی رضوان”، وقد حضرت ندوة، وکان المرحوم فتحی رضوان یحکی عن هذه الأحداث، وکان شاهد عیان وقریبا من الحُکم ۔ الإنذار البريطاني- الفرنسي لمصر 30 أكتوبر 1956 ۔

فی  مساء الیوم التالی من الإنذار توجه السكرتير الدائم في الخارجية البريطانية وفي صحبته السفیر الفرنسى فی لندن إلى السفارة المصرية في لندن، وسلما إلى السفير المصري إنذارا موجها من كل من (فرنسا وبريطانيا) توجهه إلى كل من “مصر وإسرائيل”، وأعطت الدولتان مصر وإسرائيل مهلة “12” ساعة لقبوله، وجاء في إنذارهما:
أولاً: أن الحرب القائمة بين مصر وإسرائيل من شأنها أن تعطل حرية الملاحة في قناة السويس، ولذلك وحتى تقف الحرب فوراً ولكي تستمر حرية الملاحة طلبت الحكومتان البريطانية والفرنسية الآتى:
– إيقاف العمليات الحربية في الأرض والبحر والجو، وأن تتراجع كل من القوتين المتحاربتين وتنسحب القوات العسكرية إلى مسافة عشرة أميال من قناة السويس.
ـ تقبل مصر احتلال القوات البريطانية والفرنسية للمواقع الرئيسية في بورسعيد والإسماعيلية والسويس.
ـ ترد وتجيب الدولتان على هذه المطالب في مدى أقصاه 12 ساعة في موعد أقصاه الساعة السادسة والنصف من صباح الثلاثاء 31 أكتوبر، على أنه إذا انقضى هذا الأجل ولم تنفذ إحدى الدولتين أو كلتاهما هذه المطالب فإن القوات المسلحة لكل من بريطانيا وفرنسا ستدخلان بالقدر وبأى قوة يرونها ضرورية لضمان الامتثال لهذا التبليغ وضمان إجابة طلبهما.
مصر ترفض الانصياع
رفضت مصر الانصياع للإنذار الفرنسى الإنجليزى، وإثر هذا هاجمت القوات الإنجليزية الفرنسية منطقة القناة، لكنها عجزت عن التقدم نحو الإسماعيلية بسبب شدة المقاومة المصرية، وعملت بريطانيا وفرنسا على تطويق الجيش المصرى فى سيناء، لكن القيادة المصریة انسحبت وأخلت سيناء، فتقدم الجيش الإسرائيلى واحتلها، اشتدت مقاومة الجيش المصري للهجوم الفرنسي والبريطاني على مدينة بورسعيد، فقررت قيادات العدوان تكثيف هجماتها الجوية على المدينة .
فی یوم 2 نوفمبر 1956م أصدرت الأمم المتحدة قرارها بوقف إطلاق النار، فوافقت عليه مصر ولم توافق عليه فرنسا وإنجلترا إلا يوم 6 نوفمبر، وقامت السلطات المصرية بتوزيع الأسلحة على أبناء بورسعيد وأفراد المقاومة الشعبية، وكثفت الطائرات البريطانية غاراتها على المدن المصرية، وضربت الأهداف المدنية في کل من أبى زعبل وعين شمس وأبو حماد، وفي هذا اليوم ألقى الرئيس الراحل جمال عبدالناصر خطابه التاريخي بالجامع الأزهر، حيث کان له صدی فی المقاومة.
وفی یوم 3 نوفمبر صدرت أوامر من القیادة المصریة بإغراق خمس سفن عند مدخل القناة لإغلاقها، منعا لتكرار احتلال مصر عن طريق القناة، كما حاولت بعض القطع البحرية إنزال قوات كوماندوز بحرية بالسويس، كما أغارت الطائرات البريطانية والفرنسية على كوبري الفردان الواقع على القناة فدمرته، كذلك أغارت على بورفؤاد وأحدثت خسائر فادحة في مبانيها.. وکانت بریطانیا وفرنسا وإسراٸیل ترید محاصرة وعمل کماشة علی الجیش المصری فی سیناء لولا قرار انسحاب القوات المصریة من سیناء.
وقف العدوان
تدخلت الأمم المتحدة ونددت بالعدوان الثلاثي علي مصر، وطالبت المعتدين بالانسحاب، وضغطت الولايات المتحدة على كل من إنجلترا وفرنسا، كما هدد الاتحاد السوفيتي الدول المعتدية بضربة نووية – كما أشيع.. وفشل الاعتداء واضطرت الدول المعتدية إلى قبول وقف إطلاق النار فی 7 نوفمبر 1956.
وبعد وقف إطلاق النار استمر احتلال إنجلترا وفرنسا لمدينة بورسعيد 46 يوما ثم سحبت قواتها بعد أن وافقت مصر على قرار الأمم المتحدة بوجود قوة طوارئ دولية على الحدود الفاصلة بين مصر وإسرائيل، وفي منطقة شرم الشيخ المطلة على خليج السويس، لقد کشفت الأحداث فیما یعرف بـ”ملفات حرب السویس” أن العدوان الثلاثي علی مصر کان لضرب وإسقاط نظام عبدالناصر الوطني المعادي للاستعمار، والذي كسر احتكار السلاح، بعقده صفقات سلاح مع المعسكر الاشتراكي، وكسر الحواجز التي كانت مفروضة على الاتحاد السوفييتي وقتها، وأمم قناة السويس، التي كانت خاضعة للبريطانيين، ودعم الثورة الجزائرية ضد فرنسا، وطرح مشاريع تطوير مصر بإقامة السد العالي لتوفير الطاقة الكهربائية الضرورية ومنع الفیضانات وتجنب مواسم الشح الماٸي بـ”مشروع نهضوي”، وحرك وأسهم في بعث الشعور القومي العربي، لأول مرة فی العالم العربي، لیثبت للعالم أن مشروع إسراٸیل التوسعي بدأ مع المؤامرة فی العدوان الثلاثي علی مصر.
وبرغم عدم انتصار مصر عسكريا في معركة السويس إلا أنها حققت مجموعة من الانتصارات السياسية والاقتصادية الكبرى ومن أهمها الآتى:
1- تأكيد حق مصر الأصيل في ملكية شركة قناة السويس ودفعها تعويضات لحاملي أسهم شركة قناة السويس العالمية.
2- ضمان تمويل السد العالي وحصول مصر وحدها على إيرادات القناة.
3- خروج الرئيس “جمال عبدالناصر” من هذه المعركة أقوى مما كان وتحقيقه مكانة عالية ليس فقط داخل مصر، بل بين قادة المنطقة العربية والعالم الثالث بأكمله.

محمد سعد عبد اللطیف
کاتب وباحث فی الجغرافیا السیاسیة رٸیس القسم السیاسي نیوز العربیة


شـــارك الــــمقالة
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •